ابن الجوزي

51

كشف المشكل من حديث الصحيحين

ثم لابد من النظر في حال الآخذ والمأخوذ منه ، فإن كان المأخوذ زكاة أو صدقة والآخذ يستحقها جاز له ، وإن كان غير مستحق ، مثل أن يكون قادرا على الكسب ، أو عنده ما يكفيه ، فقد قال النبي [ صلى الله عليه وسلم ] : « لا تحل الصدقة لغني ، ولا لذي مرة سوي » ( 1 ) . وإن كان هدية نظر الآخذ في حال نفسه : هل يخاف أن يكون قبوله إياها سببا لمداهنة المأخوذ منه ، أو لتعلق قلبه به ، واستشراف نفسه طمعا في تكرار العطاء أو لمنته عليه ، أو كسبه غير طيب . فمن خاف شيئا من هذه الأشياء لم يقبل ، وقد كان السلف ينظرون في هذه الدقائق ، فيقل قبولهم للعطايا ، ثم جاء أقوام يدعون التزهد ، وإنما مرادهم الراحة وإيثار البطالة ، ولا يبالون أخذوا من ظالم أو مكاس . ويمكن أن تكون الإشارة بقوله : « وما جاءك من هذا المال » إلى بيت المال الذي للمسلم فيه حق ، فيؤمر بالأخذ منه بخلاف غيره ، ويكون الاستشراف المكروه إلى ما يزيد على حق المسلم فيه . 21 / 21 - وفي الحديث الثالث : « إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم » فقال عمر : فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ينهى عنها ذاكرا ولا آثرا ( 2 ) . كان من عادة العرب أن يحلفوا بآبائهم . والحلف بالشيء تعظيم له ، فنهى رسول الله عن تعظيم غير الله بالقسم به .

--> ( 1 ) الحديث في السنن عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر : الترمذي ( 652 ) وحسنه ، والنسائي ( 2597 ) ، وأبو داود ( 1634 ) ، وابن ماجة ( 1839 ) . ( 2 ) البخاري ( 6647 ) ، ومسلم ( 1646 ) .